كيف يستخدم مصطلح “بعثي” الفضفاض لاستبعاد المرشحين العراقيين؟

كيف يستخدم مصطلح “بعثي” الفضفاض لاستبعاد المرشحين العراقيين؟

بعد 7 سنوات من قيادة الولايات المتحدة قوات غزو العراق وبعد 3 سنوات من إعدام صدام حسين الرئيس الذي أطاحت به القوات الأجنبية، لا يزال هناك سؤال لا يجد إجابة شافية يدور في العراق: من هو البعثي؟

إنه مصطلح مرن وملتهب في نفس الوقت، والمأزق الذي يمثله أكد على الخلاف المتزايد بشأن مصداقية الانتخابات البرلمانية العراقية المقررة في شهر مارس القادم، والتي تنظر إليها إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما على أنها حجر الزاوية في خطط واشنطن سحب عشرات الالاف من القوات القتالية بحلول أغسطس.

عدد من أكثر القادة الشيعة في العراق تحمسا يرون أيادي البعثيين – وهم من اتباع الحزب القومي العربي العلماني الذي كان يتزعمه صدام حسين – في العديد من الهجمات المتفرقة المثيرة – وهي علامة أنه لا يزال على الحزب التخلي عن طموحه في العودة إلى السلطة.

ومع هذا وبالنسبة للعديد من العرب السنة في العراق، فإنه يعتبر مصطلحا جامعا يتم توظيفه من أجل حرمانهم من حقوقهم. يقول المنتقدون أنه في هذا الشهر صار هذا المصطلح الورقة التي تختفي خلفها الحملة الوقحة لتصفية الحسابات والتي أعادت فتح الجراح الطائفية واعادت التشكيك في شرعية التصويت المقرر يوم 7 مارس.

يقول عمر المشهداني المتحدث باسم رئيس البرلمان العراقي “نحن بين نارين، فمن ناحية نحن لا نرغب في عودة البعثيين إلى العملية السياسية وعلى الجانب الآخر لا نرغب في استخدام هذه الصفة في تصفية الحسابات. الامر وكأن كل البعصيين من السنة وكل السنة من البعثيين”.

بعد أيام من الشد والجذب، أصدرت لجنة حكومية الأسبوع الماضي ما أطلقت عليه القائمة النهائية التي تضم 511 اسما للمرشحين غير المؤهلين لخوض الانتخابات القادمة والذين تم استبعادهم على اساس انهم يروجون لحزب البعث المنحل. بعدها بيوم تمت إضافة 4 أسماء جديدة من بينهم ظافر العاني وهو من أعضاء البرلمان من السنة، وعبدالقادر العبيدي وهو وزير الدفاع. لا يزال أمام المرشحين 3 أيام لاستئناف القرار في الوقت الذي توقع المسؤولون العراقيون أن تصدر قائمة نهائية باسماء المرشحين لخوض الانتخابات بحلول نهاية الشهر الجاري.

العديد من الساسة العراقيين يتوقعون مضي العملية قدما بغض النظر عن الاعتراضات بيد أن الدبلوماسيين يحاولون حل الخلاف، حيث يخشون من اجراء انتخابات تفتقد إلى المصداقية مما يحرم أي حكومة مستقبلية من الشرعية – وهو قلق معقول بالنظر إلى الدرجة التي ينظر بها معظم السنة في العراق إلى حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي باعتبارها تدين بالفضل لإيران.

وقال مسؤولون عراقيون أن نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن خلال حواراته مع القادة العراقيين اقتراح تأجيل مسألة الاستبعاد إلى ما بعد الانتخابات، الأمر الذي يرى المسؤولون العراقيون المعنيون بالعملية الانتخابية انه إجراء غير عملي. في المقابل اقترحت الهيئة المسؤولة عن استبعاد المرشحين – وهي لجنة المساءلة والعدالة – أن يوقع بعض المرشحين الذين استبعدتهم على اعلان يدين حزب البعث كخطوة في طريق السماح لهم بخوض الانتخابات.

ورد على هذا الاقتراح شاكر كتّاب المتحدث باسم نائب الرئيس طارق الهاشمي وقال “إنه أمر مذل. هذا ما كان يفعله صدام”.

مثل الكثير من الأمور في العراق هذه الأيام، تعود هذه المسألة بجذورها إلى الأيام الأولى من الاحتلال الأميركي للعراق حين قام الحاكم الاميركي السابق للعراق بول بريمر بحظر الحزب في مايوم عام 2003 وفي نوفمبر من نفس العام شكل لجنة لمراقبة ما يُعرف باسم ” اجتثاث البعث” والتي كانت مسؤولة عن منع أي من أعضاء الحزب الصغار من شغل أي مناصب في الحياة العامة.

الترجمة العربية لهذا المصطلح – وهي اجتثاث – كانت أقوى بكثير لأنها كانت تعني الانتزاع من الجذور او التمزيق.

اما لجنة المساءلة والعدالة – التي تعمل على أرضية قانونية هشة – فقد خلفت لجنة اجتثاث البعث وإن لم تقل إثارتها للجدل. الرجل السمؤول عن عملية الاستبعاد هو علي فيصل اللامي والذي يعتبر مساعدا مقربا لأحمد شلبي الذي كان ذات مرة من المؤتمنين لإدارة الرئيس السابق جورج بوش في الاعداد للحرب. يرتبط السيد اللامي بصلات وثيقة مع إيران وكان من المشتبه في ضلوعهم بأنشطة الاغتيالات التي نفذتها الميليشيات الشيعية – التهمة التي ينفيها.

ومن الامور التي تثير الارتباك أن اللامي والسيد شلبي من المرشحين في الانتخابات ويقومون بفرز أسماء المرشحين الآخرين.

لكن اللامي ينفي فكرة أن تكون العملية التي يشرف عليها مسيسة بأي شكل من الأشكال، وأكد أن اللجنة تعمل بإخلاص وامانة على تنفيذ قوانين العراق الخاصة باجتثاث البعث واستبعاد المرشحين الذين كانوا في قاعدة بيانات اللجنة كأعضاء سابقين في الحزب أو من قوات الأمن العراقية السابقة، مضيفا أنه إذا كانت عملية الاستبعاد ستسفر عن مشاعر بالحرمان من الحقوق فإنه خطا القوانين وليس عمل اللجنة.

المنتقدون يرون أن توجيه اتهامات بالترويج للحزب مجرد أداة من أجل التخلص من المنافسين العلمانيين للأحزاب الدينية الشيعية. يقول العديد من المراقبين أن اتساع قائمة الاستبعاد تؤكد إلى أي مدى لا يزال العراق بحاجة لإجابة السؤال الملح حول المعنى الحقيقي للمصالحة الوطنية.

من جانبه وصف السيد الهاشمي عملية الاستبعاد “بالخطيرة” مشيرا إلى أن “المرشحين المستبعدين صاروا شركاء في العملية السياسية وقبلوا بشروطها ومعاييرها”.

لطالما كان التصور هو القائم بتوجيه الأحداث هنا، وغالبا ما تتشكل هذه التصورات من خلال الهويات الطائفية والعرقية والقصص المسرودة التي تبنى عليها. بالنسبة للكثير من الشيعة والأكراد فإن مصطلح البعثيين لا يزال مرتبطا بالتعصب القومي الذي يرتبط ضمنيا بحملة الإبادة الجماعية ضد الاكراد التي جرت نهاية الحرب الإيرانية العراقية ما بين 1980 و 1988 والمقابر الجماعية التي امتلأت بعد حرب الخليج عام 1991.

على الرغم من أن الآراء تتنوع بشكل واسع، فإن الحزب البعثي لا يزال يتمتع بدعم في الأقاليم السنة وبعض صور الدعم حتى تظهر في صورة تعاطف مع السيد صدام حسين نفسه. في محافظة الأنبار لا يزال العراقيون يشيرون بشكل مثالي إليه على أنه شخص قومي وقف أمام إيران وقمع الأحزاب الدينية بقسوة. معارضو السيد حسين أنفسهم يرون أن مصطلح بعثي يعتبر لغة مشفرة.

يقول السيد المشهداني المتحدث باسم رئيس البرلمان “نريد تعريفا للكلمة، من هو البعثي وما هو البعثي؟

أحيانا تتسبب القضية في المزيد من التحريض في أوساط السياسيين المنفيين أكثر من الشارع العراقي نفسه، حيث يمكن فهم التنازلات التي يقدمها من يعيشون في ظل الديكتاتورية في كثير من الأحيان.

يقول حسين عباس صاحب متجر في أحد الأحياء الشيعية “كان كل فرد بعثي في ظل حكم صدام حسين، ثلاثة أرباع الدولة. إذا كان الشخص بعثيا ولم يقم بأي شيء فليس من حقنا أن نقوم بقمعه. لا يمكننا أن نحرمه من الحياة”.

الدستور العراقي يحظر بشكل واضح حزب البعث، كما أن القانون الذي تم تشكيل اللجنة بناء عليه يحدد من هم أعضاء حزب البعث الواجب استبعادهم. يقول فلاح شنشل الذي يرأس لجنة البرلمان المسؤولة عن رقابة عمل اللجنة أن عملية استبعاد المرشحين تضمنت أعضاء الحزب، المقاتلون في الميليشيا التي كانت موجودة في حقبة صدام حسين والعملاء في الاستخبارات والضباط الكبار في الجيش والأفراد الذين يعملون على الترويج للحزب.

وأضاف “نحن بصدد بناء دولة مؤسسات وقانون. لا يمكن أن نسمح لحزب البعث بالعودة إلى الحياة السياسية. القانون يحظر هذا الأمر ونحن هنا من أجل التأكد من تنفيذ هذا” مكررا نفس ما يررده القادة الشيعة في العراق والذين يقفون تقريبا بشكل إجماعي إلى جانب عملية الحظر.

لكن حتى في ظل القانون هناك الكثير من الأمور تظل غير محسومة. ما المطلوب من أجل استمرار شخصيات مثل السيد عبيدي وصالح المطلق السني وعضو البرلمان الذي خرج من الحزب عام 1977 وشارك في عملية صياغة مسودة الدستور العراقي. بالإضافة إلى انعدام الشفافية فإن الشروط تزال حتى الآن سرية. حتى أن بعض المسؤولين اعتادوا على القول من حين لآخر أن الأسماء تضاف وتستبعد بطرق تبدو تعسفية. يقول السيد عاني احد المستبعدين من الانتخابات “إنهم يستهدفوننا لأنهم يخشون من شعبيتنا”.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.